محمد الريشهري
2856
ميزان الحكمة
الإلهي بما يورده من الشرائع والحوادث الجارية على اولي الشعور والعقل من الأشياء كالإنسان ، فإن هذه الأمور يظهر بها حال الإنسان بالنسبة إلى المقصد الذي يدعى إليه الإنسان بالدعوة الدينية ، فهي امتحانات إلهية . وإنما الفرق بين الامتحان الإلهي وما عندنا من الامتحان أنا لا نخلو غالبا عن الجهل بما في باطن الأشياء فنريد بالامتحان استعلام حالها المجهول لنا ، والله سبحانه يمتنع عليه الجهل وعنده مفاتح الغيب . فالتربية العامة الإلهية للإنسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة والسعادة امتحان ، لأنه يظهر ويتعين بها حال الشئ أنه من أهل أي الدارين دار الثواب أو دار العقاب ؟ . ولذلك سمى الله تعالى هذا التصرف الإلهي من نفسه - أعني التشريع وتوجيه الحوادث - بلاء وابتلاء وفتنة ، فقال بوجه عام : * ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) * ( 1 ) وقال : * ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) * ( 2 ) وقال : * ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) * ( 3 ) وكأنه يريد به ما يفصله قوله : * ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) * ( 4 ) وقال * ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) * ( 5 ) وقال : * ( ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) * ( 6 ) وقال : * ( كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) * ( 7 ) وقال : * ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) * ( 8 ) وقال : * ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) * ( 9 ) . وقال في مثل إبراهيم : * ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) * ( 10 ) وقال في قصة ذبح إسماعيل : * ( إن هذا لهو البلاء المبين ) * ( 11 ) وقال في موسى : * ( وفتناك فتونا ) * ( 12 ) إلى غير ذلك من الآيات . والآيات كما ترى تعمم المحنة والبلاء لجميع ما يرتبط به الإنسان من وجوده وأجزاء وجوده كالسمع والبصر والحياة ، والخارج من وجوده المرتبط به بنحو كالأولاد والأزواج والعشيرة والأصدقاء والمال والجاه وجميع ما ينتفع به نوع انتفاع ، وكذا مقابلات هذه الأمور كالموت وسائر المصائب المتوجهة إليه ، وبالجملة : الآيات تعد كل ما يرتبط به الإنسان من أجزاء العالم وأحوالها فتنة وبلاء من الله سبحانه بالنسبة إليه . وفيها تعميم آخر من حيث الأفراد ، فالكل
--> ( 1 ) الكهف : 7 . ( 2 ) الدهر : 2 . ( 3 ) الأنبياء : 35 . ( 4 ) الفجر : 15 ، 16 . ( 5 ) التغابن : 15 . ( 6 ) محمد ( صلى الله عليه وآله ) : 4 . ( 7 ) الأعراف : 163 . ( 8 ) الأنفال : 17 . ( 9 ) العنكبوت : 2 ، 3 . ( 10 ) البقرة : 124 . ( 11 ) الصافات : 106 . ( 12 ) طه : 40 .